محمد بن علي الشوكاني

520

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وأنها ستقوم عليهم بذلك الحجة فحذفوا هذا اللفظ لهذه العلة ( 1 ) . وقد حكى الله - سبحانه - في القرآن العظيم أن المسيح بشر بنبينا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : } وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ { ( 2 ) . وفي الإنجيل أيضًا الذي جمعه يوحنا أن المسيح قال : " أركون العالم سيأتي ، وليس لي شيء " ( 3 ) . وهذا اللفظ فيه أعظم بشارة بنبينا محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فإن الأركون في لغة النصارى العظيم القدر ، ولم يأت بعد المسيح من هو هذه الصفة إلا نبينا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه جعله أركون العالم ، وقال عن نفسه : ليس له من الأمر ( 4 ) شيء ، فدل هذا على أنه سيأتي بعده عظيم من عظماء العالم يكون منه الإصدار والإيراد ، والحل والعقد في الدين ، وإثبات الشرائع ، وأن المسيح بالنسبة إليه كمن ليس له شيء . وهذا إنما يكون تبشيرا بمن هو أعظم من المبشر به [ 19 ] ، أعني المسيح - عليه السلام - ولا يصح حمله على رجل عظيم القدر في الدنيا ، أو في الملك ، أو غير ذلك ؛ لأن الأنبياء لا يبشرون بمن هو كذلك ، ويجعلونه أركون العالم ، ويجعلون الأمر إليه ، وينفون الأمر عن أنفسهم ، فإن هذا لا يكون أبدا من الأنبياء ، ولا يصح نسبته إليهم ، ولا صدوره منهم قط ، بلا خوف بين أهل الملل . ولا يمكن أن يدعي مدع أنه جاء بعد المسيح من هو هذه الصفة غير نبينا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فإن الحواريين إنما دانوا بدينه ، ودعوا الناس إلى شريعته ، ولم يستقل أحد منهم بشيء من جهة نفسه قط . ومن جاء بعدهم من أتباع المسيح فهو دونهم بمراحل .

--> ( 1 ) [ انظر التعليقة السابقة ] . ( 2 ) [ الصف : 6 ] . ( 3 ) ورد النص في إنجيل يوحنا ( 14 / 30 ) " لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء " . ( 4 ) قال ابن قيم الجوزية في " هداية الحيارى " ( ص 65 ) : تضمنت هذه البشارة أصلي الدين : إثبات التوحيد ، وإثبات النبوة . . . " .